vendredi 4 août 2017


في محراب الصلاة


1- خطَر لي في صلاة المغرب أنَّ من جماليات الصلاة تلك الصفوف التي نقف فيها بين يدي الله سبحانه، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: ((ألا تَصُفُّون كما تَصُفُّ الملائكة عند ربها؛ يُتمون الصلاة بالصفوف الأول، ويَتراصون في الصف))[1].

2- من أعظم فوائد الصلاة أن المسلم يُجدد إسلامه في كل ركعتين منها، بقوله: أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فما أعظَمها من فائدة!

3- امتناع اﻹنسان عن السجود إهانة لكل ذرات الكون الساجدة لله سبحانه، وإهانة للوظيفة التي خُلِق من أجلها، وصدق الله القائل: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ [الحج: 18].

4- "‏ليست الصلاة مجرد تعبير عن موقف الإسلام من العالم، إنما هي أيضًا انعكاس للطريقة التي يريد الإسلام بها تنظيمَ هذا العالم"[2].

5- ‏الصلاة وأثرها في التربية والسلوك:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فإن استطعتُم ألا تُغلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعَلوا)).
قال ابن القيم: "فالصلاة فيها مجاهدة، ‏مَن قرَّت عينه بصلاته في الدنيا، قرَّت عينه بقُربه مِن ربه في الآخرة، ومَن قرَّت عينه بالله، قرَّت عينه بكل شيء".

6- ‏عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: "إن كنتَ مُجيبَ دعوةٍ، فأَجِبْ داعيَ الله"[3].
ما أعظمَ هذه الدعوةَ! وما أجملها! وما أعظمَ هذه المواسم! وما أكرمَ هذه المناسباتِ!

7- قال الشعبي رحمه الله: "إذا فرَغت من التشهد، فادعُ لآخرتك ودنياك ما بدا لك"[4].

8- ‏من جميل اﻷقوال:
ما أجملها من علاقة! إن الصلاة تَحفظ القرآن من التفلُّت، وإن القرآن يَحفظ الصلاة من التشتُّت! قلت: اللهم اجعلنا ممن يتلذَّذ بتلاوة كتابك في اﻷسحار، وفي آناء الليل وأطراف النهار.

9- ‏صلى الإمام ابن عساكر الدمشقي الظهر، ثم قال: رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، ثم قال: (وعليكم السلام)، فعلِمنا أنه حضرتْه الملائكة، ثم مات[5]!

10- ‏قال مكحول رحمه الله: "رأيتُ رجلًا يبكي في صلاته، فاتَّهمتُه بالرياء، فحُرِمت البكاءَ سنةً".

11- من جميل الشعر:
يا نائمًا والحزنُ يُوقِظُ عينَه 
فكأنَّه للفاجعاتِ أسيرُ 
فُكَّ القيودَ بسجْدةٍ وبدمْعةٍ 
ناجِ الذي بالنازلاتِ خبيرُ 

12- ‏قال ابن رجب: (احفَظ الله يَحفظْك)؛ يعني: احفظ حقوقَه، وأعظمُ ما يجب حفظُه: الصلاةُ؛ قال الله: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [المعارج: 34][6].

13- ﴿ ‏وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ [الفرقان: 64]، "قدَّم السجود على القيام، وإن كان متأخرًا في الفعل؛ لأنه أشدُّ أركان الصلاة تقربًا إلى الله، وهو نهاية الخضوع"[7].

14- يُحكى أن فأرةً رأت جملًا فأعجبَها، فجرَّت خِطامه فتَبِعها، فلما وصلت إلى باب بيتها، وقف الجمل متأملًا صِغَرَ باب بيت الفأرة مقارنةً بحجمه الكبير جدًّا، فنادى الجمل الفأرة قائلًا: إما أن تتخذي دارًا تليق بمحبوبك، أو تتخذي محبوبًا يليق بدارك!

قال ابن القيم: "بعد أن أورَد هذه القصة الرمزية: "إما أن تُصلي صلاةً تليق بمعبودك، أو تتخذ معبودًا يليق بصلاتك"[8].

15- الحضور في الصلاة ولغة الأرقام: عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن العبد ليُصلي الصلاة، ما يُكتَب له منها إلا عُشرها، تُسعها، ثُمنها، سُبعها، سُدسها، خُمسها، رُبعها، ثُلثها، نِصفها))[9].
وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((... حتى تُكتب صلاتُه تامَّة))[10].

16- أجور الصلاة والصيام ولغة اﻷرقام: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلين كانا متواخيين، فاستُشهِد أحدُهما وبقي الثاني بعد المستشهد سنةً، قال طلحة: فرأيتُ الآخر من الرجلين دخل الجنة قبل المستشهد، فحدَّثتُ الناس بذلك، فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أليس هو صام بعده رمضان، وصلى بعده ستة آلاف ركعة ومائة ركعة، يعني: صلاة السنة))[11].

17- ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ [النساء: 125].
خطر لي وأنا أقرأ هذه الآية أن الصلاة من أعظم صور إسلام الوجه لله سبحانه، أليس نقرأ في افتتاح الصلاة: "وجَّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا".
وعليه فمَن حافَظ على صلاته - وكان محسنًا - دخل في مفهوم قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾.

18- كل صلاة نؤديها هي بمثابة ولادة جديدة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان - مُكفرات ما بينهنَّ إذا اجتنَب الكبائر))[12].

19- نعم الله أكبر من كل شيء:
تكبيرات الانتقال في الصلاة رسائل تُنبه العبد المصلي للحضور بين يدي الله سبحانه، وترك أحاديث النفس التي تَشغله عن صدق المناجاة.

20- أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وصلاة الضحى:
عن عائشة أنها كانت تصلي الضحى ثماني ركعات، ثم تقول: "لو نُشِر لي أبواي ما تركتهنَّ"[13].
يعني: لو أُحْيِيَ أبواي بعد أن ماتا ما تركتهنَّ، وهي صيغة مبالغة في المحافظة على هذه الصلاة.

21- ‏تواضَعْتُ ذُلًّا وانخفاضًا لعزِّها *** فشرَّفَ قدْري في هواها التواضعُ
ما أجمل هذا البيت! وما أجمل أن يكون شعور المسلم هكذا وهو ساجد بين يدي الله تعالى!
وصدق رسول الله القائل: ((أقربُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجدٌ)).
والعبد كلما خضَع لله سبحانه وذلَّ، ارتفَع.

22- قال جعفر الخلدي: رأيت الجنيد في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟
قال: "طاحَت تلك العبارات، وطارَت تلك الإشارات، وفنِيت تلك العلوم، ودرَست الرسوم، فما نفَعنا إلا ركعات كنا نَركَعُها في السَّحَر"[14].

23- قال ابن تيمية: "فمن لم يجد قُرة عينه وراحة قلبه في الصلاة، فهو منقوص الإيمان!"[15].

24- ‏تعظيم الصلاة في وقت العمل: "كان الإمام إبراهيم الصائغ (ت131هـ) إذا رفع المِطْرقة فسمِع النداء، ترَكها"[16].

25- سُئل أبو عمرو الزجاجي: ما بالك تتغيَّر عند التكبيرة اﻷولى في الفرائض؟
فقال: ﻷنني أخشى أن أَفتتِحَ فريضتي بخلاف الصدق، فمَن يقول: الله أكبر وفي قلبه شيء أكبرُ منه، أو قد كبَّر شيئًا سواه على مرور اﻷوقات - فقد كذَّب نفسَه على لسانه"[17].

26- ‏ سُئل الإمام أحمد بن حنبل: ‏ما معنى وضْع اليمين على الشمال في الصلاة؟
‏فقال: "ذلٌّ بين يدي عزيزٍ"[18].





القدس عربية برغم المزاعم الصهيونية


منذ أن اختمرت فكرة الصِّهيونية في عقلية مؤسسيها الذين تزعموا هذه السياسة الاستيطانية ذات المغزى الاستعماري البحت، في ضرورة وحتمية أن يكون لهم كِيان مستقل في الأراضي العربية الفلسطينية التي هي بمكان الروح من الجسد في كِيان الأمة الإسلامية، لِما تحويه من مقدسات تهم ديانات التوحيد، ويجتمع شملهم من دياسبورتهم المبددة لشملهم المزعزع في أرجاء المعمورة - وهم يخطون خطوات واسعة لغرس أقدامهم في هذه المنطقة العربية بأساليب كثيرة ومتنوعة، منها: تزييف الحقائق التاريخية بوسائل الإعلام المختلفة، ومحاولة تهويد المدينة المقدسة، وطمس معالمها الأثرية والحضارية والتراثية الخالدة، التي تُثبت أحقية المدينة تاريخيًّا ودينيًّا للإسلام والعرب - بلا منازع - وكذا بالأساطير المختلفة، وأوهام زائفة، متجاهلةً أن الحقائق التاريخية الراسخة، والثوابت الواضحة، والمعالم الدالة على ذلك - يستحيل التلاعب بجوهرها مهما تفنن المخادعون في أنواع الخداع، وأن الزمن لا يمكن المساس به أو تغييره، وإنها إذا استطاعت - إذا افترضنا ذلك جدلًا - أن تُزيف فترة زمنية من عمر التاريخ، فإن الزمن سَرعان ما يُجدد نفسه ويكشف عن مخبوئه، ويعود إلى مجراه، وعند ذلك ينكشف الزيف، ويظهر الحق، ويعلو على الباطل الذي يكون عند ذلك قد هوى بناؤه على رأسه، ولم يعد له أثر؛ لأنه لم يؤسس على قاعدة صُلبة من الحقائق، وأنه أُسِّس على جرف هارٍ، وعند ذلك ستحاول الأجيال إعادة الحقوق، أو أن الحقوق ستعود بنفسها وتطفو على سطح الحياة، وهكذا أثبتت القدس على مر العصور والأزمان، فكم من غزاة بقوا فيها بعض الوقت، ثم مضوا في طريقهم إلى الأبد بغير رجعة، وخرجوا منها مُطأطِئي الرؤوس، وستبقى القدس عربية إسلامية - بمشيئة الله - رغم كل الظروف.

وقبل أن نسبق الأحداث سنتحدث عن الحقوق العربية والإسلامية في القدس، لنفنِّد المزاعم الصِّهيونية التي تحاول أن تجرِّد العرب من حقوقهم الراسخة في أعماق التاريخ الإنساني الطويل في عروبة فلسطين، معتمدًا في ذلك على الكتب المقدسة التي يستند إليها اليهود الصِّهْيَونيون، ويؤمنون بها، وكذا المصادر التاريخية الموثقة، وما يقطع به علماء الآثار والتاريخ والأديان.

أولًا: نصوص التوراة تقول: القدس عربية:
ومع التحريف الذي طغى على نصوص التوراة والتزييف الذي اعترى فقراتها، وذلك بعد أن نسوا حظًّا مما ذُكِّروا به، أومأت التوراة، بل أشارت إشارة واضحة أشد الوضوح إلى عروبة القدس، حيث ورد ذكر "يبوس" في التوراة في أكثر من موضع، واليبوسيون كما هو معروف هم سكان القدس، وهم بطن من بطون العرب الأوائل، وقد نشؤوا في الجزيرة العربية، وترعرعوا في أرجائها، ثم نزحوا عنها مع مَن نزح من القبائل الكنعانية، فاستوطنوا هذه الديار، ويذهب كثير من المؤرخين إلى أن ذلك كان حوالي عام 3000 ق.م، وقد جاء في "السير السليم" في يافا والرملة وأورشليم للآباء الفرنسيسيين - أن أول من اختطها وبناها هو الملك العربي التقي "ملكي صادق"[1]، بل إننا نرى أن سفر التكوين يرجع تسميتها بأورشاليم إلى ذلك الملكي العربي "ملكي صادق" الذي اختطها أو كما يقول: ".... الباني الأول للقدس الذي أُطلق عليه ملك السلام"[2]، ويفسر ذلك "إميل الغوري"، فيقول[3]: فكلمة (أور) بالكنعانية تعني مدينة، وعليه يصبح اسم مدينة القدس مدينة السلام"، ومن النصوص التوراتية التي أشارت إلى ذلك:
(1) جاء في سفر القضاة: "فلم يرد أن يبيت، بل قام وذهب وجاء إلى مقابل "يبوس"، وهي أورشاليم[4].

(2) وفي القضاة أيضًا: "وفيما هم عند "يبوس"، والنهار قد انحدر جدًّا، قال الغلام لسيده: تعالَ نَمِلْ إلى مدينة "اليبوسيين" هذه، ونبيت فيها، فقال له سيده: لا نميل إلى مدينة غريبة؛ حيث لا أحد من بني إسرائيل هنا نعبر إلى جَنبه"[5].

(3) وفي الأخبار: وذهب داود وكل إسرائيل إلى أورشاليم - أي: "يبوس" - وهناك اليبوسيون سكان الأرض[6].

(4) وفي الأخبار أيضًا: "وقال سكان "يبوس" لداود: لا تدخل هنا، فأخذ داود حصن صِهيون، وهي مدينة داود"[7].

واليبوسيون كما يذكر المؤرخون هم قبائل عربية نزحت منذ أربعة آلاف سنة قبل الميلاد من قلب الجزيرة العربية، وقد ذكر كثير من المؤرخين هذه الحقيقة التاريخية، ولنا أن نستدل على ذلك بما ذكره الأستاذ الدكتور عبدالخالق عبدالله أستاذ التاريخ العبري بجامعة القاهرة؛ إذ يقول: "إنهم أقوام عرب ينتمون إلى اسم قبيلة كنعانية سكنت يبوس والجبال التي حولها في أيام يشوع"[8].

وقد اتخذ اليبوسيون في هذه المدينة التي سكنوها أماكن آمنة توفر لهم الحماية، وتحفظ لهم الأمن، وتجعلهم بمنأى من الأخطار المحدقة بهم، ومركزًا عصيًّا تصعب الإغارة عليه، ونظرًا لهذه المنعة ولتلك القوة، لم يستطع داود القضاء عليهم أو طردهم من يبوس[9]، وتذكر بعض أسفارهم: "بل اشترى داود عليه السلام بيارة من أروحة اليبوس"[10].
وجاء في سفر الملوك "... حيث بنى سليمان من بعده الهيكل، ولكن سليمان هو الذي أخضع اليبوسيين وضرب عليهم تسخير العبودية، وفرض عليهم الجزية"[11].

إذًا من خلال هذه النصوص التي تزخر بها بطون الكتب المقدسة، لا يمكن الشك بحال من الأحوال في عروبة الأراضي الفلسطينية، وذلك باعتراف الكتب المقدسة لديهم، وبالأدلة الثابتة في عيون أسفارهم التي نقلت لنا هذه النصوص المصرحة بأحقية اليبوسيين، وملكيتهم لهذه الأراضي التي عمروها، وظلوا يقطنونها أزمانًا طويلة، والتي هي في الوقت ذاته كانت غريبة عن اليهود بلفظ أسفارهم، ولذا لم يستجب السيد لغلامه حينما دعاه ليميل إلى المدينة - أي القدس - وهو أحرى بمعرفة ما يقول ليركن إلى الراحة أو السكن، قائلًا: "لا نميل إلى مدينة غريبة؛ حيث لا أحد من بني إسرائيل هنا نعبر إلى جانبه".

ومن خلال النصوص التوراتية السالفة الذكر، يجدر بنا أن نشير إلى الترادف الحادث في بعض النصوص لكلمة القدس، وتلك الأسماء التي عُرِفت بها القدس عبر العصور المختلفة[12]، وقد جاءت هنا مرادفات يبوس: "أورشاليم، مدينة داود، حصن صهيون....".
وقد جاء ذكر أسماء القدس في كثير من المصادر التاريخية والدينية، ولعل القدس أو القدس الشريف هو أكثر الأسماء انتشارًا واتساعًا، وذلك منذ بزوغ فجر الإسلام، وما يهمنا هنا الأسماء التي ورد ذكرها في النصوص التوراتية التي وردت ضمن إسناد الأنبياء الأوائل: يشوع والقضاة، وصموئيل الأول والثاني، والملوك الأول والثاني، والأنبياء الأواخر: أشعياء وأرميا وحزقيال، وغيرهم.

وكذا وردت ضمن الكتابات التي تشكل أسفار المزامير والأمثال وأيوب، حتى سفر أخبار الأيام، وهذه الأسفار جميعها تعرض تاريخ أنبياء بني إسرائيل الذين أرسلوا بعد موسى عليه السلام، وجميع هذه الأسفار تحتل في قدسيتها الدينية المرتبة الثانية بعد القسم الأول، وهو التوراة التي تشتمل على الأسفار الخمسة التي نزلت على موسى عليه السلام في جبل سيناء، وكتبها بنفسه، ومِن ثم تأتي قدسيتها لديهم ويؤمنون بها، وهي المحرك لهم لو كانوا صادقين!
ولم ترد كلمة "يبوس" نسبة إلى يبوس المدينة، التي من المؤكد أنها لم تُعرَف باسم آخر حتى ذلك الوقت؛ حيث وردت بهذا المعنى في سفر التكوين[13]، وكذا وردت صريحة في سفر الخروج[14]. أصعدكم من مذلة مصر إلى أرض الكنعانيين واليبوسيين إلى أرض تفيض لبنًا وعسلًا، وكذا وردت بالصراحة نفسها في سفر العدد[15].

والحقيقة التي يجب التنبه إليها أن ورود هذه الأسماء المسندة إلى "يبوس" التي عُرِفت بعد ذلك في سفر يشوع بأنها هي القدس، و"اليبوس" هي أورشليم، وإعطاء صفة القدسية للمدينة من ناحية - يؤكد لنا بما لا يدع مجالًا للشك وجودها العربي قبل الوجود اليهودي، وقبل أن يسرقوا اسمها، ويُحرفونه ويحشرونه في توراتهم.
وهكذا يُظهر الله الحق، ويبطل الباطل، ويجعل لنا من بين أنامل أيدي الأعداء نورًا نستضيء به، ويكون لنا برهانًا ساطعًا، وحجة دامغة لإبطال حججهم الواهية التي لا تستند على قاعدة حية من قواعد الحق، وهكذا يُحق الله الحق بكلماته، ويأبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

أسطورة أرض الميعاد:
احترَف اليهود الخداع، وتفنَّنوا في أساليب التزييف، وتاريخهم الطويل يثبت مدى قدرتهم الفائقة على التضليل والتزييف والخداع والمماطلة، والاستهزاء بالله تعالى وأنبيائه ورسله، وما فعلوه مع نبي الله موسى عليه السلام خير شاهد على خِستهم ودناءة أنفسهم، وسفاهة عقولهم، وحدِّث عنهم ولا حرج، فقد تفنَّنوا في اختلاق الأساطير، وترويج الأكاذيب والافتراءات التي يحاولون من خلالها تحقيق مآربهم وما يَصبون إليه، وقد حرفوا التوراة وبدَّلوا كلام الله تعالى، فملؤوا التوراة أساطيرَ هائلةً مما تهوى أنفسهم، لبسوها ثوبًا مزركشًا من الدين، وأقاموا حولها رتوشًا براقة زيَّنوها "بديكوراتهم" المزيفة؛ ليُضفوا عليها القدسية الكاملة، لينجذب إليهم السُّذَّج من اليهود بكُليتهم، ويتحركون بوازع من الدين - باطلًا - يُملي عليهم الانقياد والانصياع لأوامر الرب دون تردُّد وتريُّث؛ لأن أوامر الرب ونواهيه تعلو على المناقشة وتسمو عن الجدال، هذا ما نعتقده، وإن كانت الحركة الصِّهيونية لا تَمُتُّ لدين بصلة، لأي دين!! فقد اتخذت بُعدًا سياسيًّا قوميًّا بحتًا، وهذا باعتراف مؤسسها الأول هرتزل، وقد أفاد مؤسسوها من خلال اتخاذهم الدين وسيلةً لتحقيق أغراضهم الاستعمارية العنصرية، وهكذا يدَّعي اليهود أن الله تعالى أو بالأحرى الرب - كما يذكرون - هو الذي حدد لهم هذه الأماكن وجعلها ملكًا خالصًا لهم، وأقسم لآبائهم أن تكون هذه الأرض لنسْلهم المختار! ويؤيدون هذه الادعاءات من نصوص أسفارهم التي تملأ ما بين دفتي العهد القديم والأسفار الأخرى التالية له، وهي جِدُّ كثيرةٍ، ومِن ثَمَّ فإن تفنيدنا لأسطورة أرض الميعاد ومزاعمهم بهذا الصدد سيُبنى على أساسين:
الأولالأرض الموعود بها وحقيقة وجود الوعد.
الثانيالموعود له بالأرض وأسطورة النسب الواحد.

وسنقف أيضًا عند التفسير الموضوعي المحايد الذي لا يميل إلى التزييف والتحوير في الفكر اليهودي الذي يستمد مصداقيته من الواقع التاريخي.
أولًا: الأرض الموعود بها وحقيقة وجود الوعد:
جاء في سفر التكوين[16]: "وظهر الرب لإبرام، وقال: "لنَسْلك أُعطي هذه الأرض"، ثم جاء في نص آخر: "وقال الرب لإبرام بعد اعتزال لوط عنه: ارفع عينيك وانظر من الموضع الذي أنت فيه شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا؛ لأن جميع الأرض التي أنت ترى لك أُعطيها ولنسلك إلى الأبد، واجعل نسلك كتراب الأرض"[17]، والحق أننا لا نتصور عقليًّا أن الرب قد ظهر لإبراهيم أو غيره، ومنحه الصكوك الشرعية لامتلاك أرض كنعان، أو غيرها، ولكننا إذا سلَّمنا جدلًا بصدق ما جاء في هذه النصوص، فإن الوعد الإلهي الذي جاء في هذه النصوص لا يخص بني إسرائيل وحدهم دون إخوتهم، إنما يتساوى في ذلك الوعد إسرائيل وإسماعيل عليهما السلام وذريتهما أيضًا، وهذا يوضح لنا أن هذا الوعد لا يقتصر على بني إسرائيل وحدهم، بل هو لسلالة إبراهيم جميعًا، وقد ثبت أن أنبياء الديانات الثلاث موسى وعيسى ومحمد عليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليمات، كلهم يرجعون إلى جدهم نبي الله إبراهيم عليه السلام، ومِن ثم فهم فرع وارث في أبيهم إبراهيم عليه السلام، وليس لليهود وحدهم.

ومن هنا يمكن القول طبقًا للنص: إن هذا الوعد قد تحقق فعلًا لبني إسرائيل في عهد موسى عليه السلام، حين خرج اليهود من مصر إلى سيناء، ثم إلى فلسطين - وقد كانوا مؤمنين برسالة نبي الله موسى عليه السلام - وقد تكوَّنت لهم دولة مؤسسة على الشرعية الدينية، كما تحقق هذا الوعد أيضًا في عصر آخر، وهو عصر الملكين داود وسليمان، وهما من ملوك وأنبياء بني إسرائيل، ومن هنا فإن لم يكن قد تحقَّق هذا الوعد في عهد موسى عليه السلام، فقد تحقق في عهد سليمان الذي أُوتي الحكمة وفصل الخطاب.

وما دام الوعد من الله تعالى والمنة منه، فحاشا لله تعالى أن يحابي طرفًا على حساب الآخر، ومِن ثم فلن يكون وعده مقصورًا على أحد أبناء إبراهيم دون الآخر، فيمكن أن يتحقق الوعد في بيت إسماعيل، وهو الابن الثاني لإبراهيم عليه السلام، ولا سيما في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أُرسِل للناس كافة، ووصلت رسالته أرجاء المعمورة، ودخل الإسلام بلدانًا كثيرة، ذلك إذا كان الوعد لإبراهيم كما جاء في النص، فلو كان لإسرائيل "يعقوب عليه السلام"، فما جدوى ظهور الرب لإبراهيم عليه السلام، وإذا كان اليهود يريدون استبعاد إسماعيل عليه السلام من هذه القسمة أو التركة، وقد خصوا بها إسحاق، فإن الأمر أيضًا يدق؛ لأن إسحاق له ولدان هما إسرائيل وعيسو الابن البكر... ولو كان الوعد لإسحاق، لاشتركت فيه ذرية الأخوين، وإذا كان المقصود هم ذرية إسرائيل - يعقوب عليه السلام - دون غيرهم، فإن إعطاء الوعد لإسحاق - ومن قبله لإبراهيم عليه السلام - يغدو غير ذي جدوى، أوهام وخرافات، واقتصار فائدته على يعقوب ونسله، يوجب أن يكون الوعد ليعقوب دون غيره من قبل ومن بعد، وهو ما لا يحدث، أو يتجرأ على القول به شخص واحد عبر التاريخ الإنساني الطويل[18].

وفي موضع آخر من العهد القديم نجد وعودًا ليعقوب عليه السلام، وهي لا تتوافق مع الوعود السابقة من الناحية العقلية: " فخرج من البئر - بئر سبع - وذهب نحو حاران، وصادف مكانًا وبات هناك؛ لأن الشمس كانت قد غابت، وأخذ من حجارة المكان ووضعه تحت رأسه، فاضطجع في ذلك المكان، ورأى حلمًا، فإذا سُلَّم منصوب على الأرض ورأسه يمس السماء، وهو ذا ملائكة الله تعالى صاعدة ونازلة عليها، وهو ذا الرب واقف عليها، فقال: أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحاق... الأرض التي أنت مضطجع عليها أعطيها لك ولنسْلك... وها أنا معك وأحفظك حيثما تذهب، وأردك إلى هذه الأرض؛ لأني لا أتركك حتى أفعل ما كلمتك به"[19].

والواقع أنه - حتى في إطار العقائد اليهودية - ينبغي التمييز بين تلك الوعود التي أعطيت لإبراهيم عليه السلام، وتلك التي تنص على أن يكون لنسله الأرض من النيل إلى الفرات كما يحلو للصهاينة أن يشطحوا بخيالاتهم المريضة، وإذا كان يعقوب لم يوعد إلا بتلك المنطقة التي اضطجع فيها، وهي مجازًا منطقة صغيرة من أرض كنعان[20]، ذلك إذا سلمنا جدلًا بمصداقية التوراة وتجاوزنا الحقيقة، والواقع أن الله عز وجل لم يَعِد أحدًا بشيء من رفات الدنيا، وأن خلقه سبحانه وتعالى سواسية، لم يفرق بين أحد من خلقه إلا بالتقوى والعمل الصالح، والواضح من هذه النصوص التوراتية أنها تحاول تعزيز فكرتهم الداعية إلى العنصرية، وأنهم شعب الله المختار!

يقول الأستاذ طارق العماوي معقبًا على بعض تلك النصوص[21]: "إن المنطق يذهب إلى هذا النحو في تأييد الفكرة؛ حيث إن موسى عليه السلام كافح بعد ذلك؛ ليخرج ببني إسرائيل من أرض مصر؛ حيث نهر مصر، ولو كان نهر مصر موعودًا لبني إسرائيل، لما خرج بهم موسى من جواره!

ولنا أن نستعين هنا - بشأن خرافة أرض الميعاد - بآراء أساتذة الأديان في الأكاديميات الغربية، فقد أوجز "ألبير دي بوري" أستاذ العهد القديم في كلية اللاهوت البروتستانتية في جنيف - رسالته للدكتوراه: "الوعد الإلهي والخرافة الشعائرية في أدبيات يعقوب"، التي ناقش فيها كبار المؤرخين والمفسرين والمحدثين - خاصة ألبرخت آلت، ومارتن نوت - على النحو التالي: "إن الموضوع التوراتي لهبة البلاد، يستمد أصوله من "الوعد الأول"؛ أي: الوعد الإلهي لإبراهيم بحسب المأثور في سفر التكوين، فأقاويل سفر التكوين تنقل لنا في مرات عديدة وبأشكال مختلفة أن الله وعد الآباء وذرياتهم بملكية الأرض التي كانوا في سبيلهم إلى التوطن فيها[22].

ويشير ألبير دي بوري في رسالته إلى عدم قناعته بما تُمليه التوراة من النصوص، وذلك لما تعرضه من الذكريات والتواريخ التي لا تستند إلى حقائق واقعية، بل هي عبارة عن حكايات وخرافات، والأشعار التي وصلت إليهم من التراث الشفهي الخيالي.
وهكذا اتفق معظم المفسرين المحدثين على أن هذه الصورة التاريخية ما هي إلا صورة وهمية إلى حد كبير.
وقد تنبَّه كثير من الباحثين والمفسرين إلى حقيقة الكِيان الصِّهيوني، ولعبة أرض الميعاد التي يروِّجها بين الأوساط العالمية؛ ليتخذ من ذلك ذريعة لكسب العطف العالمي، وتحقيق طموحاته وأغراضه السياسية والقومية، البعيدة كل البعد عن الدين، بل هي عين الهرطقة.

وفي معرض إيجازها لأعمال التفسير المعاصرة، وفقًا لمقولة ألبير دي بوري، كتبت السيدة "فرانسواز سميث" عميدة كلية اللاهوت البروتستانتية في باريس تقول: "إن البحوث التاريخية الأخيرة توصلت إلى تقليص العروض الكلاسيكية للخروج من مصر، وغزو كنعان والوحدة القومية الإسرائيلية قبل المنفى، وصوَّرتها على أنها قصة خرافية، فعلم التاريخ التوراتي لا يخبرنا بما يقصه علينا، بل يخبرنا عمن كتبوه"[23]، لقد قدمت السيدة " فرانسواز سميث " لأسطورة الوعد توضيحًا صارمًا في كتابها "الأساطير غير الشرعية دراسة حول الأرض الموعودة"، ثم يستطرد ألبير دي بوري موضحًا حقيقة الأسطورة الصهيونية؛ ليدحض فكرة الوعد المعطى للآباء بمعناه الكلاسيكي الذي أخفى الشرعية على فكرتهم الاستيطانية لغزو الأراضي الفلسطينية، أو كما يقول بوري: "أو على أنه امتداد للسيادة الإسرائيلية في عهد داود، وبعبارة أخرى فقد أدخل الوعد ضمن أحاديث الآباء، بغية اتخاذ هذه الملحمة السلفية تمهيدًا وإعلانًا عن العصر الذهبي الداودي والسليماني".

ويقول الأستاذ رجاء جارودي[24] عن حقيقة أصول الوعد المعطى للآباء في تفسيره الوعد بالأرض بمعنى الوعد بالاستقرار، وقد وجه أولًا إلى قبائل البدو الرُّحل التي كانت تطمح في الاستقرار في مكان ما بالمناطق الصالحة للسكنى، وبمقتضى هذا فإن الوعد كان جزءًا من الإرث الديني والروائي لعدة قبائل بدوية متباينة، أما وعد الرحَّل فقد كان الغرض منه ليس الغزو السياسي أو العسكري لمنطقة أو لبلد بأكمله، بل الاستقرار في منطقة محدودة.

وفي الأصل فإن الوعد المعطى للآباء الذي تحدث عنه سفر التكوين، لم يقطعه يهوى "الرب الذي دخل فلسطين مع مجموعة الخروج"، ولكن الرب الكنعاني آيل في إحدى أقانيمه المحلية، والرب المحلي مالك الأرض هو وحده الذي يستطيع أن يمنح للرُّحَّل حقَّ الاستقرار في أراضيه.
وبعد ذلك وعندما تجمعت القبائل الرُّحل التي استقرت مع قبائل أخرى، لتشكيل "شعب إسرائيل"، فإن الوعود القديمة كانت أهدافًا قد تحققت، ومِن ثم بدأ الوعد يتخذ أبعادًا سياسية وعسكرية "قومية"، وعلى ذلك فإن الوعد بعد إعادة تفسيره على هذا النحو، فُهِم على أنه تجسيد مسبق للغزو النهائي لفلسطين، وإعلان وإضفاء للشرعية على مملكة داود[25].

ثم يستطرد الأستاذ رجاء جارودي في حديثه لدحض المفتريات اليهودية في الوعود التوراتية التي يفسرها اليهود تبعًا لما تهوى أنفسهم، وما تمليه عليهم أغراضهم السياسية دون المثول للحقيقة والواقع التاريخيين، وقد وسعوا تفسيرهم للوعد التوراتي، لأجل خدمة أهدافهم ذات الطابع الاستعماري والأبعاد القومية، بينما يرجع وعد الرُّحل الذي يهدف إلى توطين عشيرة موحدة إلى أصل يسبق الحوادث دون شك، ومن ثم فإن الوعد يختلف بالنسبة للوعد ذي الأبعاد القومية، يقصد الفكر الصهيوني الحالي الذي لا يهدف إلا إلى استعمار الأرض واستبعاد الفلسطينيين، وترحيلهم وإبادتهم.

ونظرًا لأن القبائل الإسرائيلية لم تتوحد إلا بعد استيطانها في فلسطين، فإن إعادة تفسير وعد الرُّحَّل يصبح وعدًا بالسيادة السياسية التي تَمت بعد الأحداث، وعلى ذلك فإن وعد سفر التكوين[26]الذي يتوخى سيادة الشعب المختار على جميع المناطق الواقعة بين نهر النيل والفرات، وعلى جميع الشعوب التي تقطن هناك - هو بجلاء نبوءة ما قبل الأحداث مستوحاة من غزوات داود.
وقد أتاحت البحوث التفسيرية تأكيد توسيع وعد الرحل، وجعله وعدًا قوميًّا، قد حدث قبل تحرير أقاويل الأوائل خطيًّا، وأن محرر أحاديث العهد القديم قد عاش في عصر سليمان، ومِن ثم كان معاصرًا وشاهدًا على هذه العقود التي تَحقَّق فيها وعد الآباء الذي أُعيد تفسيره في ضوء داود بما يفوق كل الآمال[27].

ويقول المفكر رجاء جارودي: وفقًا لنص سفر التكوين، فإن بركة إسرائيل قد رافقتها بركة جميع قبائل الأرض، وقبائل الأرض هم أولًا كل الشعوب التي كانت تتقاسم مع إسرائيل فلسطين والضفة الغربية[28].
ذلك إذا كنا نُسلم بما جاء في التوراة من نصوص لم يعترها التحريف أو الاختلاق، مع أننا على إيمان عميق وثقة كبيرة بأن كل هذه النصوص التي تمتلئ بها أسفارهم، هي محض أساطير ومفتريات مختلقة مِن قِبَل اليهود الذين جاء ذكرهم صراحة في القرآن الكريم: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ [النساء: 46]، ومِن ثَم فهم لا يؤتمنون على شيء، ولا يمكن تصديقهم فيما يقولون، أو يذهبون إليه، وهنا نستأنس بما قاله المفكر الكبير رجاء جارودي من أنه لا يصدق ما جاء به سفر التكوين من أن الرب قد ظهر لإبراهيم عليه السلام، ومنحه الصكوك الشرعية لامتلاك أرض كنعان ونسْله، ويقول أيضًا: "ومن الناحية القانونية فإننا لا نملك أي صك للهبة موقَّعة من الله، بل لدينا من الأسباب القوية ما يجعلنا نفكر في أن المنظر الوارد في سفر التكوين[29] على سبيل المثال لا يعكس حادثة تاريخية.

ومن هنا فإنه لا يمكن الاعتراف بمصداقية وعد الآباء، واستخدامه صكًّا شرعيًّا في خدمة المطالبات السياسية؛ إذ ليس هناك أي سياسة لها حق ادعاء كفالة الوعد وضمانه؛ لأنه ليس من العقلانية في شيء القول بأن الأراضي الفلسطينية التي شهِدت حضارات متعاقبة منذ أكثر من خمسة آلاف سنة إلى اليوم، تظل حكرًا على اليهود الذين لم تَدُم إقامتهم فيها أكثر من 73 سنة.
فمن الغرابة أن يقول اليهود - وذلك بعد أن انقطعت صلتهم بفلسطين منذ أكثر من ألفي سنة -: إنها أرض الميعاد، وأرض الأجداد، وحقوق تاريخية، وغير ذلك مما نسمعه من الافتراءات، في حين أنها تنكر تلك الحقوق على العرب الذين أسَّسوها وعمروها، وبذلوا فيها الغالي والنفيس، ودام حكمهم وإقامتهم فيها أكثر من أي جنس آخر عبر التاريخ كما يقومون فيها الآن!

فمن السذاجة أن يقال: إن الصلة الروحية بفلسطين لم تنقطع بين اليهود وبينها طوال آلاف السنين، فهذه الصلة غير موجودة من جهة، وهي من جهة أخرى لا تعطيهم - على افتراض وجودها جدلًا - حقًّا في اغتصاب أرض فلسطين من أصحابها، وقياسًا على ذلك فإن الصلة الروحية التي تربط المسلم الذي في الهند أو الصين أو أمريكا بمكة المكرمة في المملكة العربية السعودية، وكذا الصلة الروحية التي تربط المسيحيين في أمريكا بالفاتيكان - لا تجعل لهم حقوقًا قانونية في روما.
وهنا نستأنس بما جاء في محاضرة ألقاها المؤرخ البريطاني "أرنولد توينبي" في جامعة ماكجيل بكندا في يناير 1960م؛ حيث قال فيها: "إن مطالبة اليهود بفلسطين أمر مشكوك في صحته، فلو اعترفنا بالحقوق المسلوبة منذ عام 1935م، لَمَا استطعنا إعادة توزيع الأراضي في أنحاء العالم، ولكان عليكم إعادة كندا إلى الهنود الحمر!"[30].

وإذا كانت إسرائيل تتخذ من قدسية هذه الأماكن الفلسطينية ذريعة لغزوها واحتلالها؛ لكونها تحوي أماكن مقدسة تخصها، فإن الديانات الأخرى لها من المقدسات أضعاف مضاعفة مما يخص إسرائيل، فالنصارى مثلًا لهم أماكن مقدسة وكنائس، فضلًا عن "الناصرة" المدينة التي هي مسقط رأس المسيح عليه السلام، ناهيك عن المسلمين المنوطين بمقدسات ديانات التوحيد منذ آدم إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها.

في التفسير اليهودي للنبوءات:
ومن حاخامات اليهود مَن يحتكم إلى العقل، ويستأنس بالواقع، ولا يركن إلى الزيف الواضح، والتحريف المعلن الذي لا يستمد مصداقيته من واقع التاريخ، فها هو الحاخام ألمر برجر الرئيس السابق لرابطة "من أجل اليهودية في الولايات المتحدة"، يقول بصدد النبوءة التوراتية التي توظفها إسرائيل لخدمة أهدافها الاستعمارية: "إنه من غير المقبول من أي إنسان الادعاء بأن إنشاء دولة إسرائيل حاليًّا، هو تحقيق لنبوءة توراتية، ومن ثم فإن كل الأفعال التي قام بها الإسرائيليون لقيام دولتهم والإبقاء عليهم، هو تنفيذ لإرادة الرب"[31]، ومن هنا فهو يرى أن السياسة قد اتخذت طريقًا خاطئًا، وحطمت أو على الأقل طمَست المعنى الروحاني لإسرائيل[32]، واقترح برجر بحث عنصرين أساسيين لإرث النبوءات:
أ- حديث الأنبياء عن استعادة صِهيون لا يعني الأرض التي كان لها في حد ذاتها صفة القداسة. والمحك الذي لا يقبل النقاش بشأن مفهوم النبوءة، هو استعادة العلاقة بالرب في وقت كانت فيه هذه العلاقة قد قُطعت من جانب الملك وشعبه.

ب- ليست الأرض وحدها هي التي تتوقف عليها مراعاة العلاقة مع الرب والإخلاص له.
وهكذا توضح تقاليد النبوءات بجلاء أن قداسة الأرض لا تتوقف على تربتها ولا على شعبها، ولا على الوجود الوحيد لهذا الشعب على هذه الأرض.

ومع ذلك فإن إسرائيل ليس لها أي حق في ادعاء تحقيق النية الإلهية من أجل عصر مسيحي؛ لأن الشعب الإسرائيلي ليس بمقدس ولا الأرض بالنسبة لهم مقدسة، وهم ليسوا جديرين بأي امتيازات روحية في العالم، وليس أدل على ذلك من موقف هرتزل في بحثهم عن وطن لجمع شمل اليهود من دياسبورتهم، وقد فكَّر في توطينهم في أي مكان في العالم، دون أن يحدد مكانًا بعينه، وقد قدَّم عدة اقتراحات لتشمبرلين وغيره من وزراء بريطانيا، فقد قال هرتزل بقبول أوغندا، أو طرابلس، أو قبرص، أو الأرجنتين، أو موزمبيق، أو الكونغو[33]، فكيف يمكن القول بعد ذلك بأن أرض فلسطين هي أرض الميعاد وقد ألبسوها الصبغة الدينية؟!

 الشق الثاني:
أسطورة أرض الميعاد تأخذ شقين، الشق الأول: هو الأرض الموعود بها، وقد فنَّدنا هذا الزعم الذي لا يقوم على أدلة ثابتة من التاريخ والواقع والدين، واستندنا إلى ذلك بما ذهب إليه جهابذة الفكر في علم الأديان، ولا سيما في دراساتهم الأكاديمية المتخصصة التي خصوها بدراسة أساطير اليهود الواضحة، ثم نأتي هنا إلى الشق الثاني وهو خاصية الموعود لهم بهذه الأرض، والموعود له هنا كما جاء في النصوص السالفة الذكر، هم حفدة إسرائيل - ذلك إذا سلمنا جدلًا بما جاء في تلك النصوص التوراتية - ومِن ثم لا ينطبق الوعد على مَن تهوَّدوا - دخلوا في ديانة اليهود - لأن بني إسرائيل الذين خُصُّوا بهذا الوعد، لم يكن لهم أثر في التاريخ؛ لأنهم ذابوا في الشعوب الأخرى إزاء الظروف والاضطهادات المتكررة التي حدثت لهم عبر التاريخ.

ولنا أن نتأمل في هذا النص: "لا تقل في قلبك لأجل بري، أدخلني الرب لأمتلك هذه الأرض، ليس لأجل برك وعدالة قلبك تدخل لتمتلك أرضهم، بل لأجل إثم أولئك الشعوب يطردهم الرب إلهك من أمامك، ولكي يفي بالكلام الذي أقسم الرب عليه لآبائك"[34]، فإننا نلحظ في هذا الوعد أنه معطى لفصيلة بشرية محددة بعينها، وليس لأهل دين أو ملة، وهذا التمييز مسألة مهمة جدًّا؛ لأنه يترتب عليه نتيجة جوهرية هي: وجود الوعد وفناء الموعود له! فلا محل للنفاذ[35].

ولقد أصاب "اللورد موين" كبد الحقيقة، حينما أعلن أمام مجلس اللوردات في 9 يونيه 1942م أن اليهود لا ينتمون إلى العبرانيين من قريب أو بعيد: "إن اليهود ليسوا أحفاد العبرانيين القدماء، وأنهم لا يملكون المطالبة الشرعية بالأراضي المقدسة[36]، وقد أدى إعلانه هذا - الذي فضح الخطط الصهيونية - إلى اغتياله في القاهرة على يد اثنين من أفراد جماعة شتيرن التابعة لإسحاق شامير؛ لأن اليهود يريدون أن تتحقق دولتهم إن لم يكن بالأساطير الواهية، فالإكراه واغتيال المفكرين الذين يُعلنون حقيقة مخططاتهم.

ويهود اليوم كما نعتقد يقينًا ليسوا بني إسرائيل، ولا يَمُتُّون لهم بصلة، إنما هم طائفة تكونت من كل جنس ولون، ومن كل لسان، وسِيق بهم كالأنعام إلى أرض فلسطين العربية، وهذه الطائفة صنعتها أساطير الصِّهيونية التي اختلقت نصوص العهد القديم، أو بالأحرى صنعتها أسطورةُ أفضلية بني إسرائيل والشعب المختار، فالذين تهوَّدوا إنما أُلصقوا بإسرائيل ضلالًا وبهتانًا، بلا حجة دافعة أو دليل قاطع، ثم ما لبث أن بات لفظ (يهود) مرادفًا للفظ إسرائيل، وغدا عند الجهلة اليهودي هو الإسرائيلي، والكل يَهرف بما لا يَعرف!
والأمر الواضح بداهة أن يهود اليوم هم يهود دوليون، لا تَجمعهم سلالة نسب واحدة، ناهيك عن أن تكون سلالة نسب ليعقوب، لكن الذي يجمعهم معًا هو الفكرة الصهيونية الاستيطانية ذات الأهداف السياسية التي لا تؤمن بدين أو مِلة.

فاليهود المحدثون هم أقرب إلى الجنس الآري منهم إلى الجنس السامي، وهم عبارة عن طائفة دينية تميزت بميزات اجتماعية واقتصادية، وجمعتهم ظروف واحدة، وهم من مختلف بقاع الأرض، سلالات مختلفة؛ فمنهم الفلاش الأحباش، والألمان الشُّقر، ومنهم التاميل الهنود، ومنهم الخزر المنتمين إلى الجنس التركي، ومن المستحيل أن يكون اليهود ذو الشعر الأشقر والعيون الزرقاء يَمُتُّون بصلة الدم إلى إسرائيل!
ولا يتصور عاقل أن بني إسرائيل لم يتأثروا بعوادي الزمن وتقلُّباته إزاء التشتت الذي مُنوا به في الأحقاب التاريخية المختلفة؛ سواء بالفناء، أو الدخول في الديانات التالية لليهودية.

وقد لوحِظ أن الفينيقيين اختفوا فجأة من التاريخ بعد سقوط صور وصيدا وقرطاجنة، كما ظهرت المجتمعات اليهودية مكانهم، وبمثل تلك الطريقة الفجائية عينها[37]!
كما أن هناك شعبًا دخل الديانة اليهودية بأكمله دون أن يَمُت بصلة الدم إلى إسرائيل، وهو شعب مملكة الخزر التركي الجنس، ويقال: إن تهوُّد هذا الشعب حدث بطريقة لا تخلو من الطرافة؛ حيث كان شعبًا وثنيًّا، ثم قرر ملكُهم أن يغيِّر ديانته، فأرسل في طلب ثلاثة من علماء الأديان، يهودي ونصراني ومسلم، فلما أتوه اجتمع بهم، فسأل كل واحد منهم عن دينه ودين الآخرين، ثم سأل النصراني إن لم يكن على دينه، فأي دين يختار؟ فأجابه: اليهودية، وسأل المسلم كذلك، فأجابه: اليهودية أيضًا معللًا ذلك بأنها ديانة توحيد، بخلاف النصرانية التي اتخذت مع الله إلهًا آخر، فصرَفهم الملك، واعتنَق اليهودية، وحمل شعبه على اعتناقها[38]!

وهكذا الحال، جماعة اعتنقت اليهودية، وجماعة تعتنق المسيحية، وهذا الأمر مع جماعة يهودية في القدس، اعتنقت الدين المسيحي، وكانوا أتباعًا حقيقيين، وأصبحوا دعاة أيضًا ويؤكد ذلك شارل جينيبر رئيس قسم الأديان بجامعة باريس؛ حيث يقول: "وكانت الجماعة الأولى من المؤمنين بعيسى في القدس جماعة يهودية صرفة، وليس لدينا ما يدعو إلى الشك فيما ترويه أعمال الرسل بهذا الشأن، وكان أعضاء هذه الجماعة لا يفترقون عن اليهود الآخرين الأتقياء إلا في إيمانهم بأن عيسى الناصري قد شرَّفه الله، فجعل منه مسيحيًّا، وأنه قد تحقَّقت به الآمال[39].

وهكذا فقدت هذه الجماعة صفاتها - جماعةً يهوديةً لها ميزاتها وخصائصها - بفعل العوامل الخارجية والظروف القهرية، وتروي لنا أعمال الرسل أن بعضًا من "الهيلينستين" قد ارتحلوا من القدس إلى أنطاكيا، وبها أعلنوا البشرى عن السيد المسيح[40].
ومن هنا يقوم الإجماع بين علماء الأجناس على أن اليهود الحاليين ليسوا جنسًا واحدًا، أو سلالة بعينها، وإنما هم خليط تغلب فيه العناصر الآرية، وأن العرب في العصر الحديث هم وحدهم الذين يُمثلون ملامح الساميين القدماء الجماعية، أما اليهود فإن صِلاتهم مع الحيثيين بآسيا الصغرى، وتبادل الزيجات معهم - قد أثَّرت فيهم، وأخفت منهم كثيرًا من الملامح السامية[41].

ويشير إلى هذه الحقيقة الصِّهيونيون أنفسهم، وذلك فيما يصرح به "رافييل باتان" مدير معهد هرتزل، قائلًا: "إن ما وصل إليه علم الأنثروبولوجيا الطبيعية، يُبين أنه بعكس المعتقد الشائع، لا يوجد عنصر يهودي"[42]، فما بالنا إذًا بالعنصر الإسرائيلي، وهم سلالة واحدة، وينتمون إلى أب واحد!
وتقر الأسفار اليهودية بحقيقة اختلاط بني إسرائيل بالشعوب المختلفة، وذلك بعد تشرُّدهم في بقاع الأرض، بعد الفناء المبكر لدولتهم الأولى، والأسفار اليهودية مفعمة بكثير من الاعترافات المثيرة حول اختلاطهم وامتزاجهم بالأجناس الأخرى، وهو ما يُبطل زعمهم في أسطورة أرض الميعاد التي تقبَّلها كثير من السُّذج برضا واقتناع تامَّين، وقد جاء في أسفارهم: "وفي تلك الأيام أيضًا رأيت يهودًا قد تزوجوا نساء أشدوديات وعمونيات وموآبيات، وكان نصف كلام أولادهم بلغة أشدود، ولم يكونوا يُحسنون التكلم باليهودية، بل بلسان شعب وشعب، فخاصمتهم ولعنتهم، وضربت منهم رجالًا ونتفت شعرهم، واستحلفتهم بالله ألا تعطوا بناتكم لبنيهم، ولا تأخذوا بناتكم لبنيكم، ولا لكم"[43].

فهذا نص من عيون أسفارهم المقدسة، يعترفون فيه بحقيقة واقعية، لا يُمكن الشك في مصداقيتها، تثبت للتاريخ كذب ما يذهبون إليه في أسطورتهم الواهية "أرض الميعاد" وبني إسرائيل، والشعب المختار.
وهذا نص آخر ندفع به جدلية أسطورتهم المزعومة، "فإنه في عهد عذرا النبي اجتمع كل رجال إسرائيل، فقام عذرا الكاهن وقال لهم: إنكم قد خنتم واتخذتم نساء غريبة؛ لتزيدوا على إثم إسرائيل"، وفي آخر سفر عذرا - وبعد أن يعددوا من وجدوه متخذًا زوجات من غير بنات إسرائيل - نجد هذه العبارة: "كل هؤلاء نساء غريبة، ومنهن نساء قد وضعنَ بنين"[44].

وهكذا تنكسر أسطورة أرض الميعاد التي تتخذ من النصوص التوراتية المقدسة ذريعة لاحتلال الأراضي العربية الفلسطينية، دون الاستناد إلى حقيقة أو قاعدة صلبة، وقد انجذَب إليهم أصحاب النفوس الضعيفة وذوو العقول الفجة، والحقيقة التي تصارع الأسطورة، وتثبت أمام الأنواء أن بني إسرائيل الموعود لهم بالأرض لم يعد لهم وجود، فقد ذابوا في الأمم والتاريخ، وأن هؤلاء الطفيليين الذين جاؤوا إلى الوطن العربي مهبط رسالات السماء، ومهد الديانات، يتزعمون هذه الأفكار - إنما هم استعماريون لا يمتون لدين بصلة، وإنما الدين عندهم وسيلة يحاولون بها تحقيق مآربهم الدنيئة، مستغلين سذاجة اليهود وغيرهم من ذوي الأهواء والناقمين على الإسلام والمسلمين.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.



سنة الإهلاك


قال تعالى: ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ ﴾ [الأنفال: 54].
قد يبدو أن هنا تَكرارًا، وليس الأمر كذلك؛ لأن التشبيه الأول يربط بين نهاية كفار قريش وبين آل فرعون ومَن قبلهم؛ حيث عمِلت فيهم سُنةُ الأخذ بسبب الكفر بآيات الله التي عُرِضت عليهم، سواء كانت آيات كونية، أو معجزاتٍ حسيَّة، وبسبب الذنوب التي صاحَبَتِ الكفر بآيات الله، ومنها الاستكبار في الأرض بغير الحق، وإيذاء الرسل، والسخرية منهم ومِن تابعيهم من المؤمنين، وغير ذلك.

أما التشبيه هنا، فهو يربط بين هلاك المكذِّبين من قريش، وبين آل فرعون وأمثالهم؛ حيث عمِلت فيهم سُنة الإهلاك بسبب أنهم كفَروا بنِعَم الله عليهم، وجحدوا فضائل الربوبية، وإحسان المنعم المتفضِّل بالخيرات والبركات، ومنها نعمة الحياة والإيجاد، ونعم السمع والبصر، والصحة والعقل، وألوان الثمار، والماء والهواء، وتسخير الحيوان، وتمهيد الأرض وإعدادها للحياة، ومما لا يحصى مِن نعمه وفضائله، فهؤلاء وأمثالهم بدَلَ أن يشكروها كفَرُوها، يقول عز وجل: ﴿ فَأَهْلَكْنَاهُمْ ﴾.

يقول الألوسي: (والالتفات إلى نون العظمة في "أهلكنا" جَريًا على سنن الكبرياء؛ لتهويل الخطب)[1]، وكما في قوله تعالى: ﴿ وَأَغْرَقْنَا ﴾.

ويقول: (قوله تعالى: ﴿ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾ تفسيرٌ لدَأْبهم الذي فعَلوه من تغييرهم لحالهم، وأُشِير بلفظ الرب إلى أن ذلك التغيير كان بكفران نِعَمِه تعالى؛ لِمَا فيه من الدلالة على أنه مربِّيهم، والمُنعِم عليهم، وقوله تعالى: ﴿ فَأَهْلَكْنَاهُمْ ﴾ تفسيرٌ لدَأْبهم الذي فعل بهم مِن تغييره تعالى ما بهم من نعمته جل شأنه.

وفي الإهلاك رمزٌ إلى التغيير؛ ولذا عبَّر به دون الأخذ المعبَّر به أولًا، وليس الأخذ مثله في ذلك؛ ألا ترى أنه كثيرًا ما يطلق الإهلاك على إخراج الشيء عن نظامه الذي هو عليه؟ ولم نرَ إطلاق الأخذ على ذلك) [2].

وهذا الفرق بين الأخذ (في التشبيه الأول) والإهلاك (في التشبيه الثاني) يُوضِّحه أيضًا الشيخ محمد متولي الشعراوي، فيقول:
(فالآية الأولى: ﴿ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾، وفي الآية الثانية: ﴿ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾، والآية الأولى تدلُّ على أنهم كفَروا بالآيات الكونية المثبِتة لوجود الله تعالى، وآيات الرسل، وآيات الكتب التي أنزلت إليهم، وفي هذه الآية ﴿ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾؛ أي: لم يَصُونوا النِّعَم التي أعطاها الله لهم، فنِعَمُ الله عطاءُ ربوبية، وتكاليفُه ومنهجه عطاءُ ألوهية، وهم في الآية الأولى كذَّبوا بعطاء الألوهية؛ أي: كفروا بالله، وفي الآية الثانية كذَّبوا بعطاء الربوية؛ أي: بنِعَم الله، فعطاء الربوبية هو عطاء رب خَلَق مِن عدم، وأمدَّ من عدم لتكتمل للإنسان مقومات حياته، والله يساوي في عطاء الربوبية بين المؤمن والكافر، وبين العاصي والطائع، ولا يُفرِّق بينهم بسبب الإيمان أو الكفر، وهنا يقول تعالى: ﴿ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ ﴾ [الأنفال: 54]؛ أي: لم يكن بينهم مؤمن وكافر بحيث يكون هناك تفرقةٌ بأن يُنجِّيَ المؤمنين ويُغرِقَ الكافرين، بل كلهم ظلموا أنفسهم بالكفر؛ لذا قال تعالى: ﴿ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ ﴾)[3].

ومِن هنا يتبين ما يلي:
أولًا: أن الكفرَ بدلائل الألوهية وما يصاحبه من عناد واعتداء، وصد عن سبيل الله، ومحاولات تثبيت الكفر واجتثات جذور الإيمان - يستوجب إعمال سُنة الأخذ، وهي الاستئصال قديمًا (بسنة عامة؛ كخسف، أو صيحة، أو غرق)، ثم سُنة الأخذ بضرب الرقاب والإثخان والحَسِّ[4]؛ أي: الاستئصال بالقتل، والقتال الذي شرعه الله تعالى في التوراة والإنجيل والقرآن، فقد كلَّف الله تعالى المؤمنين الموحِّدين بقتال الكافرين بدلائل التوحيد، المشركين بالله المتفرد بالألوهية، ووعدهم على ذلك بالجنة إن قُتلوا، أو بالظهور على عدوهم وبالتمكين لهم، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 111]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ﴾ [الصف: 10 - 14].

أي: إن الله تعالى كلف المؤمنين بجهاد الكافرين لنَيْل النصر أو الشهادة، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ﴾ [التوبة: 52].

ثانيًا: أن قانون الرقي والانحطاط يخضع لنظام إلهيٍّ مُحكَم، وهو أن التغيير يبدأ من الداخل، وأن استجلاب الانحطاط والنِّقَم يبدأ بالجحود والتمرد على المنعم سبحانه، وتصريفِ النعم في الفساد والإفساد، وذلك حينما تتغير النفوس وتميل إلى الطغيان، وحينما تفسدُ الفطرة، ينشأ الشذوذ، وتعم الفواحش، فتفسد الحياة وتتعطل مصالح العباد، وتضيع الحقوق، فتنقلب الأوضاع إلى كلِّ ما هو أسوأ، وتتحوَّل النِّعَم إلى نِقَم، ويشكو الناس الضنك والأزمات، ويسلَّط الناس بعضهم على بعض، ويذوق بعضُهم بأسَ بعض، فتذهب الريح (الدولة)، ويتحقق التغيير إلى الانحطاط، وذلك بما كسبت أيدي الناس، أما إذا كان الحال هو الضعف والانحطاط وأراد الناس الرقي، فإن التغيير يبدأ مِن داخل النفس، فإذا أصلح الناس أنفسَهم، وأصلحوا فيما بينهم، وتمسَّكوا بأحسنِ الأخلاق وأكمل الفضائل، وتواصى الناس فيما بينهم بخُلق الإيثار والحب والتعاون والشجاعة والمروءة، والعدل والإحسان في كل شيء، فإن الله تعالى يُغيِّر حالهم إلى الرقي، قال تعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [الرعد: 11].

ثالثًا: أن الله تعالى سخَّر كلَّ ما في الكون لصالح الإنسان؛ لكي يعمر الأرض ويصلح فيها، والناس في معايشهم يحتاج بعضهم إلى بعض، فالإنسان اجتماعي بطبعه، فإذا تحقَّق النفع والصلاح لعامة البشر، وصُرِفت النِّعَم فيما جُعِلت له وخُلقت من أجله، فإن النِّعم تنمو وتستمر، أما إذا حدثت الأثرة والشح، وصُرفت النعم في الإفساد، والاستعلاء والطغيان، فإن ذلك يعدُّ جحودًا، وتكون العاقبة الحرمان من تلك النعم وتحولها إلى نقم.

إن شكر النعم يكون بتصريفها في الخير وفي النفع العام لجميع البشر، وإذا حدث الشكر تمَّتِ النعمة ونَمَت، وإلا فلا تمت ولا نمت، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]، وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ *فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾ [سبأ: 15 - 17]، فكان الكفر والإعراض من أسباب التبديل والعذاب.

رابعًا: أن الأيام دول، قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [آل عمران: 140]، والصراع بين الأمم قديمٌ، وكم من دولٍ قامت ثم آلت إلى السقوط، وكم مِن حضارات نشأت ثم دُمِّرت، وذلك على مدار التاريخ البشري.

وإذا كان علماء الاجتماع قد قالوا: إن أعمار الدول كأعمار الأشخاص، وعلى حسب متوسط أعمار الأشخاص يكون متوسط أعمار الدول[5]، إلا أن هناك أسبابًا لسقوط الدول وعوامل للرقي، وأخرى للمحافظة عليه، والسؤال هنا أن الأمة الآتية كيف تكون؟ إنها تكون أنفع للخلق من الأمة الذاهبة، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد: 38]؛ أي: تحلُّ أمةٌ صالحة مكان أمةٍ غير صالحة، وهي تواصل عمل الحق والعدل والارتقاء والبناء، أما مستوجبات القيام والبناء، فهي كما جاء في كتاب (النظام الإلهي للرقي والانحطاط): - (قد أوجب القرآن الكريم للقيام والبقاء شيئينِ أساسيين، وهما مطابقان للفطرة والمكانة الإنسانية:
1- التنظيم الأعلى للأخلاق.
2- سلسلة ارتقاء المادية.

ولو أهمل أحدهما فلا يكون القوم أصلح في المجال العلمي، ولا يكون هناك ضمان لقيامه وبقائه؛ أي: إن صرفت العناية إلى المادة ولم يتم معها تنظيم التصورات العالية والقيم الخلقية، فإن هذه المادة تصير غير مفيدة، بل مدمرة، ونجد في تاريخ الأمم أمثلةً كثيرة، فكم وصلت أمة إلى الصدارة بإحداث تغييرات خلقية عديدة في البداية، ولكنها اتَّجهت فيما بعد إلى المادة كليًّا، فهلكت وضاعت، وكذلك إذا لم يتم ارتقاء المادية مع التصورات العالية والقيم الخلقية، فلا تنشأ مدنية قوية ولا يضمن بقاء، وفي التاريخ أمثلة لأمم ذهبت حضارتها ومدنيَّتها حينما انتهت سلسلة الارتقاء المادي بعد ذهاب سلطتها، ثم بالتدريج فَنِيَتِ الأمةُ نفسها، وقد أثبت القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ [الأنفال: 60].

وفي الآية أمرٌ بالأخذ بوسائل القوَّة في كل وقت، وبذلك يعلم أنه لا توجد مرحلةٌ من مراحل الحياة يُستَغنَى فيها عن المادية، أما الأوصاف الخلقية التي تنظم الحياة، وتجعل الرقي المادي نافعًا للبشرية؛ مثل الإيمان واليقين، والإيثار والتضحية، والتوكل، والعدل، وغير ذلك - فهناك آيتان تتعلَّقان بتنظيم الأخلاق، هما قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [المائدة: 8]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا ﴾ [النساء: 135].

والحاصل أنه يجب تنظيم الأخلاق على مستوى أعلى دون أن يؤثر فيه عداءٌ لقوم، أو انحياز لقريب، أو مراعاة للذات، وقد أولى القرآن الكريم في الحياة القومية والجماعيةِ العدالةَ[6] أهميةً بالغة، والنظرُ الدقيق يكشف لنا أن أساس محاسن الأعمال كلها، وخلاصة الأخلاق القويمة - هي هذه الصفة) [7].

فهذه قريش قد تهاوَتْ؛ لأنها قد أصابها الهَرَم، ولم يَعُدْ في بقائها فائدةٌ، فقد انحرفت عن الفطرة السليمة، وعبدوا أصنامًا صنعوها بأيديهم، كما قد دبَّتْ فيهم أمراض السقوط، وتسرَّبت فيهم جراثيم الفساد، فظلموا العباد، واستكبروا في الأرض بغير الحق، وتعقَّبوا المسلمين ليفتنوهم ويصدوا الناس عن سبيل الله، كما فعل آل فرعون من قبلُ، فانتقم الله منهم جزاءَ صنيعهم، ولم تنفعهم قوتهم ولا كِبْرياؤهم، وهذه سُنة الله في الأولين والآخرين؛ أن كفران النعم إيذانٌ بزوالها وتحوُّلها إلى نقم، وأن شكر النعم إنما يكون بالإصلاح في الأرض وإقامة العدل، وفي ذلك بقاء النعم ودوامها ونماؤها، وهو طريق الرقي.


[1] روح المعاني، ج6، ص29.
[2] المرجع السابق، ص27.
[3] تفسير الشعراوي، ص4761.
[4] الاستئصال بالقتل؛ ومنه قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ [آل عمران: 152]، وانظر: مختار الصحاح مادة (ح س س).
[5] يقول ابن خلدون في المقدمة: "علم أن العمر الطبيعي للأشخاص مائة وعشرون سنة، ويختلف العمر في كل جيل؛ فيزيد أو ينقص، وأن أعمار هذه الملَّة ما بين الستين إلى السبعين - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم مَن يجوز ذلك))؛ قال الترمذي: حسن غريب، حديث رقم 3550) - وإن أعمار الدول أيضًا لا تعدو أعمار ثلاثة أجيال، والجيل هو عمر شخص واحد من العمر الوسط، فيكون أربعين الذي هو انتهاء النمو والنشوء إلى غايته؛ قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ [الأحقاف: 15]؛ ولهذا قلنا: إن عمر الشخص الواحد هو عمر الجيل، ويؤيد ما ذكرناه في حكمة التِّيه الذي وقع في بني إسرائيل، وأن المقصود بالأربعين منه فناء الجيل الأحياء ونشأة جيل آخر لم يعهدوا الذل ولا عرَفوه، فدل على اعتبار الأربعين في عمر الجيل الذي هو عمر الشخص الواحد، وإنما قلنا: إن عمر الدولة لا يعدو في الغالب ثلاثة أجيال؛ لأن الجيل الأول لم يزالوا على خلق البداوة وخشونتها وتوحشها من شظف العيش..، فحدهم مرهف، وجانبهم مرهوب، والناس لهم مغلوبون، والجيل الثاني تحوَّل حالهم بالملك والترفُّه عن البداوة إلى الحضارة، ومن الشظف إلى الترف والخصب، ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به (ولعله التسلط وحكم الفرد) وكسل الباقين عن السعي فيه، ومِن عز الاستطالة إلى ذل الاستكانة، فتنكسر سَوْرَة العصبية بعض الشيء، وتؤنس منهم المهانة والخضوع، ويبقي لهم الكثير من ذلك، وأما الجيل الثالث، فينسون عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن، ويفقدون حلاوة العز والعصبية بما هم فيه من ملكة القهر، ويبلغ فيهم الترف غايتَه، والنعم وغضارة العيش، فيصيرون عيالًا على الدولة، وتسقط العصبية بالجملة، ويَنسَون الحماية والمدافعة والمطالبة، ويلبسون على الناس في الشارة والزي وركوب الخيل وحسن الثقافة يموهون بها، وَهُمْ في الأكثر أجبن من النسوان على ظهورها، فإذا جاء المطالِب لهم لم يقاوموا مدافعته، فيحتاج صاحب الدولة حينئذٍ إلى الاستظهار بسواهم من أهل النجدة، ويستكثر بالموالي، ويصطنع مَن يغني عن الدولة بعض الغناء، حتى يتأذن الله بانقراضها، فتذهب الدولة بما حملت، فهذه الأجيال الثلاثة عمرها مائة وعشرون سنة على ما مر، ولا تعدو الدول في الغالب هذا العمر بتقريب قبله أو بعده إلا إن عرض لها عارض آخر من فقدان المطالب، فيكون الهرم حاصلًا مستوليًا، والطالب لم يحضرها، ولو قد جاء الطالب لما وجد مدافعًا، ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [الأعراف: 34]، فهذا العمر للدولة بمثابة عمر الشخص من التزيد إلى سن الوقوف، ثم إلى سن الرجوع"؛ انظر: مقدمة ابن خلدون، فصل 14، ص188، المكتبة التوفيقية، (باختصار).
[6] العدل: هو مجموعة الفضائل، والأصول الثلاثة للفضائل هي: (العفة، والحكمة، والشجاعة)، وفروعها فروع العدل، وقيل: هو اسم يطلق على الترتيب اللازم للقوة العقلية والشهوانية، ثم ظهور هذه القوى وَفْقَ هذا الترتيب، وقيل: هو مَلَكة في النفس تصدُرُ عنها الأفعال التي يقام بها نظام المدنية والحياة بسهولة، وقيل: هو القسط والموازنة؛ وانظر: النظام الإلهي للرقي والانحطاط؛ محمد تقي أمين، ص72.
[7] المرجع السابق.


dimanche 31 janvier 2016


(( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))




أعلَم أنّ مشَقة الطاعة تذْهَب ، وَ يبْقَى ثَوابهَا . . وَ أن لَذة المعصِية تذْهَب ،  وَ يبْقَى عقابهَا ، فاختر لنَفسِك,
اللَّهُمَّ اهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَها لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ .

الذاكر الحقيقي هو الذي تحكمه خشية الله عز وجل
عن النبي عليه الصلاة والسلام
سألته أم أنس رضي الله عنها   
قالت
((يا رسول الله أوصني قال: اهجري المعاصي فإنها أفضل الهجرة، وحافظي على الفرائض فإنها أفضل الجهاد، وأكثري من ذكر الله فإنك لا تأتين الله عز وجل بشيء غداً أحب إلى الله من كثرة ذكره ))
[ رواه ابن شاهين في الترغيب في الذكر عن أم أنس]

لذلك قالوا
(( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))
[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]
وعن عبد الله بن مسعود
(( إن العبد المسلم إذا قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله، قبض عليهن ملك فجعلهن تحت جناحه، ثم يصعد بهن فلا يمر على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، حتى يجيء بهن وجه الرحمن تبارك، ثم قرأ عبد الله: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه))

[ رواه الطبراني عن عبد الله بن مسعود]

هناك ملاحظة أيها الأخوة مهمة جداً، تجد أشخاصاً يكثرون من ذكر الله بألسنتهم، نموذج موجود، لكن إذا وجد مغنماً اقتنصه، إذا وجد لذة مارسها، إذا وجد مغنماً والعيون بعيدة عنه أخذه وضمه إلى ماله، ليس هذا هو الذاكر، قد تجد إنساناً قلّما يردد ألفاظ الذكر، لكنه إذا عرض له أمر توقف، فسأل نفسه: هل يرضي الله أن أفعل هذا؟ معرفته بالله وخشيته لله ألجمته، هذا الذاكر، رأى مغنماً لإخوانه حق فيه، والعيون غائبة، أعطى كل ذي حق حقه، هذا الذاكر، إن أردتم التدقيق في التعريف الذاكر هو الذي تحكمه خشية الله، لا الذي تراه يردد، قد تجد إنساناً معه سبحة وراكب بمركبة عامة وهو يقول: سبحان الله، تصعد امرأة يتأملها تأملاً عجيباً وكأنها تحل له، وهو يسبح سبحان الله سبحان الله سبحان الله سبحان الله، هذا النموذج مرفوض، الذكر أن يصدك عن معصية، أن يبعدك عن مطمع، أن يبعدك عن عمل لا يرضي الله، إذاً أنت ذاكر، أنا لا أحب أن أكون تردادي شكلياً، هناك أشخاص يكثرون من ذكر الله، وقد تجد بعض النساء المتقدمات في السن لا يفتر لسانها عن ذكر الله، وهي تكيد لمن حولها كيداً يعجز عنه الشيطان، أنا لا أريد هذا النموذج، أريد إنساناً إذا ذكر الله أوقفه ذكره عند طاعته، قيل: ليس الولي الذي يمشي فوق الماء، ولا الذي يطير في الهواء، ولكن الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أن يجدك حيث أمرك وأن يفتقدك حيث نهاك.

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم لا تقطعنا بقواطع الذنوب، ولا تحجبنا بقبائح العيوب، يا رحمن يا رحيم، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم لك الحمد على أن سقيتنا غيثاً، اللهم لك الحمد والشكر، اللهم زدنا ولا تنقصنا، أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد لله رب العالمين
• • •
لا إله إلا الله...
ياالله ! ياالله ! يالله !!

كن لله كما يريد !!
من وجد الله فماذا فقد !!
 • • •

الحمد لله رب العالمين

...مرحباآآ يآآآآآزاائر صفحتي شكرا لكم ولمروركم …تحياتي…
. . .ولا تنســــــى . . .
الصلاة على حبيبنا وعظيمنا محمد ..صَــل آآللَّهُــــمّے وسلمے علَےَ سيدنآآآ مُحمَّــد

في محراب الصلاة 1-  خطَر لي في  صلاة المغرب  أنَّ من جماليات الصلاة تلك الصفوف التي نقف فيها بين يدي الله سبحانه، وصدق رسول الله...